مجمع البحوث الاسلامية

801

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

بالقتال وهذا دليل على أنّ المراد بها جميعا نفي إحصاء أعمالهم ومجازاتهم عليها من قبل الأنبياء دون منعهم عن الكفر والشّرك والمعاصي لسانا ويدا ، حتّى تنافي الأمر بالقتال . 3 - قال الماورديّ في ( 30 ) فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً : « فيه تأويلان : أحدهما : يعني حافظا لهم من المعاصي حتّى لا تقع منهم . والثّاني : حافظا لأعمالهم الّتي يقع الجزاء عليها ، فتخاف ألّا تقوم بها ، فإنّ اللّه تعالى هو المجازي عليها » . وهذا هو الموافق لسياق الآيات دون الأوّل . وذكر الفخر الرّازيّ أيضا فيها قولين : أحدهما حفظ النّاس عن المعاصي ، والثّاني الاشتغال بزجرهم عن التّولّي فهو مثل لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ البقرة : 256 ، ثمّ نسخ بآية الجهاد . وفيه - كما سبق - أنّها نزلت بعد الأمر بالجهاد ، فالمتعيّن هو الأوّل . 4 - الآية ( 28 ) وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ نزلت بشأن شعيب عليه السّلام ، وفيها بحوث : أوّلها فيما يحفظ منه : قال الماورديّ : « يحتمل ثلاثة أوجه : أحدها : حفيظ من عذاب اللّه تعالى أن ينالكم . والثّاني : حفيظ لنعم اللّه تعالى أن تزول عنكم . والثّالث : حفيظ من البخس والتّطفيف إن لم تطيعوا فيه ربّكم » . وأضاف الواحديّ وجها آخر ، وهو أنا لم أؤمر بقتالكم وإكراهكم على الإيمان . وفسّرها الزّمخشريّ كتفسير أخواتها الأربع ، فقال : « ما بعثت لأحفظ عليكم أعمالكم وأجازيكم عليها » . والحقّ - كما سبق - أنّ سياق الآيات الخمس واحد ، وأريد بها أنّ الأنبياء ليسوا حافظين لأعمال العباد ومجازيهم عليها ، أوليس في إمكانهم أن يحفظوا أممهم عن الخطأ ، وأنّ عليهم إبلاغ رسالات اللّه فحسب . ثانيها - جاءت هذه الآية حكاية عن النّبيّ شعيب عليه السّلام والآية ( 29 ) حكاية عن نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله ، وقد خاطب نبيّ الإسلام قومه الكافرين في صدرها ، ونصحهم قائلا : قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها ، وخاطب شعيب أهل مدين في صدرها ونصحهم قائلا : بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ هود : 86 ، وقال كلّ منهما في ذيلها : وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ، وهو تنصّل وتبرّء يشبه الوعيد . وما قال نبيّنا ذلك لقومه إلّا بعد أن دلّهم على الرّشاد ، وبيّن لهم عاقبة من تبعه أو ندّ عنه . أمّا أخو أهل مدين فقد نصحهم بتحصيل ثواب اللّه وأجره ، دون أن يبيّن لهم طريقه . ثالثها : قال الطّباطبائيّ : « الآية كالمعترضة بين الآيات السّابقة والآية اللّاحقة ، وهو خطاب منه تعالى عن لسان نبيّه ، كالرّسول يأتي بالرّسالة إلى قوم فيؤدّيها إليهم ، وفي خلال ما يؤدّيه يكلّمهم من نفسه بما يهيّجهم للسّمع والطّاعة ، ويحثّهم على الانقياد بإظهار النّصح ونفي الأغراض الفاسدة عن نفسه » . التّاسع : اللّوح المحفوظ في ( 36 ) : وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ وفيها بحثان : 1 - قيل فيه : إنّه ( فعيل ) بمعنى ( فاعل ) ، أي حافظ